*«أن يزعل منك السيد؟».٢*

عاجل

الفئة

shadow


أخذت الأمور بعداً مختلفاً في العلاقة معه. زوار من ألوان عقائدية وسياسية وجنسيات مختلفة، لكنهم لا يظهرون في الصور العلنية، واجتماعات تمتد لساعات تلامس الفجر مع ضيوف يرغبون بأن يفهموا معنى أن إسرائيل قابلة للزوال، لكنّ الكلام عنهم محظور في الإعلام. وكان عليّ اختبار الصمت القاسي الذي كاد أن يفتك بالصحافي في داخلي. وهو أمر كان في المقاومة من يرتاح له، لكنني، مرة جديدة، أجد نفسي في مواجهة السيد نفسه.

بعد عملية الأسر الشهيرة في مزارع شبعا خريف عام 2000، واعتقال الضابط الإسرائيلي الحنان تننباوم، قصدت السيد حاملاً ورقة كتبت عليها تصوراً لتوثيق ما جرى، وما سيجري لاحقاً من أحداث متصلة بالملف. قال لي إنه موافق على السير بالخطة. لكنه يريد مشاورة «الحاج» في الموضوع. يومها، أخفيت عنه أنني أرسلت إلى «الحاج» رغبتي بالأمر، وقلت إنني سأطلب الأمر رسمياً من السيد.

قضى الاتفاق يومها بأن أجمع كل التفاصيل المتعلقة بعملية الأسر، ومن مصادرها كافة، ويوثّق شباب المقاومة ما أحتاج إليه من معطيات ومواد تخص الأسرى الأربعة، شرط أن يبقى الأمر سرياً حتى حصول عملية التبادل. لكنّ السيد الذي ترك التفاصيل إلى المعنيين في الجسم الجهادي، كان قد احتاط فطلب منهم إبلاغي شرطاً إضافياً: ستبقى كل المواد لدينا حتى حصول التبادل، وفي حال نشرت أنت معلومات تخلّ بالاتفاق، نكون في حلّ منه. طبعاً، لم يكن أمامي من خيار سوى الالتزام بالاتفاق. وعندما حصل التبادل، حصلت أمور كثيرة تخص المشروع، بينها لقاء مع تننباوم قبل إطلاق سراحه.

وفي وقت لاحق، قال لي السيد: «هذه المرة، عرفنا نحن كيف نقيّد الصحافي الساكن داخلك».

لا أعرف لماذا شعرت بالاستفزاز، علماً أن كل من عرف السيد يعلم أنه ليس في موقع من يريد تأديب أحد. لكنني خفت هذه المرة على الصحافي بداخلي. وعندما تتالت الأحداث، لم يكن بوسعي مغالبة نفسي.

ثمة أمور كثيرة حصلت خلال 20 عاماً بعد تبادل الأسرى. بعضها سيُكتب يوماً ما، وفيها أيضاً من الصراع القوي داخلي، خصوصاً ما يتعلق بالعلاقة مع الشهيد عماد مغنية الذي كان يحب أن يقول: «إبراهيم لديه عادة، وهو يريد كل فترة تذكيرنا بأنه ليس عضواً في الحزب»، وكان يقول: «اختلف معنا جميعاً، لكن كيف لك أن تتحمل زعل السيد؟».

تغيّرت الأمور كثيراً مع الوقت. وأخذت العلاقة مع السيد شكلاً مختلفاً أيضاً. لكن «العادة» تحركت من جديد. وكانت الحادثة الأولى الأكثر صخباً، عندما وقّعنا في «الأخبار» اتفاقاً مع منظمة «ويكيليكس» لنشر الوثائق الخاصة بوزارة الخارجية الأميركية. يومها حاول الشهيد مصطفى بدر الدين الحصول على نسخة من الوثائق، لكنني اعتذرت منه فحاول عبر طرقه الخاصة الحصول على ما يريد. أما السيد الذي حدّثته عن الملف، وقلت له إن لحرب تموز حصة في هذا العمل، وكيف أن جوليان أسانج ينظر إليه بطريقة خاصة، فقد سألني عن أبرز ما يوجد من مواد. وعندما وصل الملف إلى الوثائق التي تخص الرئيس نبيه بري وفريقه السياسي، جاءني من يتمنى عليّ عدم نشرها.

لم يكن الأمر ممكناً، فلا معنى لتمييز فريق عن فريق، بمعزل عن الخداع الكبير الذي تبيّن أن الأميركيين يقومون به في معرض تقييمهم للمقابلات التي يجريها فريق السفارة مع السياسيين، ليس في لبنان فقط، بل في كل العالم. وعندما استنفر الرئيس بري محمّلاً الحزب المسؤولية، منطلقاً من «إبراهيم عند السيد»، خرج السيد حسن للمرة الأولى، ليقول في خطاب علني، إن لا علاقة لحزب الله بجريدة «الأخبار»، مطلقاً موقفاً تسبب بكثير من القلق لعاملين في المؤسسة، ولآخرين من الأصدقاء. فهو لم يكن يقبل أن يُستفز في أمر يهدد علاقته بالرئيس بري أو العلاقة بين حزب الله وحركة أمل. يومها، قال بلغة واضحة: «مستعد لتحمل كل النقد، ومستعد لتجاهل كل ما يصلني من مطالبات لبنانية وعربية وإسلامية حول ما تنشره «الأخبار»، وأنا لست مسؤولاً عن ما تقوم به. ولكنني لا أتحمل، إن كنت تقصد أو لا تقصد، أن تتسبب بمشكلة من هذا النوع، ومع هذا الحليف بالذات».

مرّ وقت طويل نسبياً قبل أن تُرتب العلاقة من جديد، لكن فكرة «أن يزعل منك السيد» تظل حاضرة طوال الوقت. لم تكن ثقتي بنوع العلاقة بيننا قد اهتزت على الإطلاق، ولم يكن هو في وارد وضع شروط على علاقتنا، كما لم أكن أنا في وارد التخلي عن هوامشي.

تكرّر الأمر مع بداية الأزمة السورية، لكنه أخذ شكلاً مختلفاً، ليس لأن السيد قام بشيء مختلف، بل لكون الحدث نفسه سيطر على كل العلاقة بين الجريدة والحزب والمحور عموماً، لكن الدفاع عن الهامش ليس معركة قاسية مع شخص مثل السيد حسن، لأن ما لا يعرفه الناس عن الرجل، أنه الأكثر ديمقراطية في كل حزب الله، وأنه الأكثر إدراكاً لأهمية المعرفة والإعلام في كل محور المقاومة، وأنه الأكثر رغبة في الحوار حول كل ما يوصف بأنه قضية شائكة، راهنة أو تتصل بتاريخ المقاومة أو تاريخ الحركات الإسلامية...

بعدها حصلت أمور يمكن تصنيفها في هذه الخانة، لكن القصة لامست الاعتبار الشخصي، عندما نجح الأميركيون في انتزاع موافقة رسمية لبنانية على إطلاق سراح العميل عامر الفاخوري من سجن المحكمة العسكرية. يومها، لم أتمالك نفسي وأنا أحمّل المقاومة المسؤولية عن ترك الأمر يحصل. لم أقبل فكرة التبرير بأن في الدولة اللبنانية من هو خاضع للأميركيين، وكنت أعتقد بأن على السيد نفسه أن يمنع الأمر بأي ثمن.

في ذلك اليوم الذي كتبت فيه مقطعاً أحمّل فيه المقاومة المسؤولية، وأشير بالاسم إلى السيد حسن، جاءني صديق يلومني على ما فعلت. دافعت عن نفسي أمامه، لكنه قال لي: أنت العليم بحزب الله وليس أنا، وتقديري، أنك تتسبب بإساءة إلى الرجل!
ثلاثة أيام فقط، قبل أن تصلني رسالة مكتوبة من السيد، يصارحني فيها بأنني تسببت بإساءة إلى المقاومة وليس إليه، وأنه لم يكن يتوقع أن يصدر عني، أنا تحديداً، هذا الكلام. سألت عن إمكانية محادثته بالأمر، فبدا لي أن الوضع ليس كما أظن، فحمّلت الرسول نصاً، دافعت فيه عن موقفي.

لكنّ السيد الذي سمع الكثير من التعليقات، وجد نفسه مضطراً لأن يخرج إلى العلن في خطاب يعبّر فيه عن غضبه من كل هذه التعليقات. كان السيد يتحدث عن أمور كثيرة، لكنني تصرّفت على أنه يخاطبني أنا وحدي، خصوصاً أنه قال في الخطاب بعض ما قاله في رسالته إليّ. فقررت من جانبي، أن أمارس الاحتجاج، بأن كتبت له مجدداً رسالة قرأها الصديق المشترك فعلّق: رسالتك قاسية، ولكنني سأنقلها كما هي!

لم أنتظر يومها تعليقاً، لكنّ السيد، بادر إلى إبلاغ القيادات المعنية، بأن هناك «زعلاً بيني وبين إبراهيم، ولا دخل لحزب الله في الأمر، وممنوع أن يتصرف أي مسؤول في الحزب مع إبراهيم أو مع «الأخبار» بطريقة مختلفة».
كانت تلك الحادثة هي الأقسى في تاريخ العلاقة. وحده انفجار مرفأ بيروت أخافني كحادث يمكن أن يقود البلاد إلى حيث يريد العدو. كانت رسالة قصيرة جداً تلك التي أرسلتها إلى السيد على عجل. ولم تمر ساعات، حتى طويت الصفحة. لكنني، كنت أحاول أن أفتح معه الحديث من أجل تصفية الأمر ولو لمرة أخيرة ونهائية. وفي يوم، كنا اتفقنا على لقاء، لكنّ رسوله زارني قائلاً: الرجل يهديك السلام، ويقول لك: سلامتها ناديا (ابنتي الصغيرة)، بعد أن تستعيد عافيتها نلتقي...

القصة أن ناديا أصيبت بفيروس كورونا، والسيد كان معزولاً بصورة تامة، وبعد مرور أشهر، عدنا والتقينا، وتحدّثنا عن أمور كثيرة ولم يتطرق إلى الأمر أبداً. فقلت له: تعرف يا سيد، لم أكن أعتقد بأنه يصعب عليّ أن أفهم معنى أن تكون زعلاناً مني. كان مِن حولي من يعرف بالأمر، وكنت عندما أعود إلى المنزل، أجد من ينتظرني متبرّماً: مبسوط، إنو السيد بعدو زعلان؟
هي مسألة شخصية جداً. لا أعرف لماذا أكتب، ولمن أكتب، لكنني بعد استشهاد السيد، فهمت للمرة الأولى معنى «أن يزعل منك السيد؟».

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة